عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
29
اللباب في علوم الكتاب
و « الرأفة » : أشد الرحمة ، فهي أخص منها ، [ وقيل بينهما عموم وخصوص ، فلا ترى فيه أكمل من الرحمة بالكيفية ، والرحمة اتصال النعمة برقة يكون معها إيلام كقطع العضو المتآكل وشرب الدواء ] « 1 » . وفي « رؤوف » لغتان أخريان لم تصل إلينا بهما قراءة وهما : « رئف » على وزن « فخذ » ، و « رأف » على وزن « ضعف » . وإنم قدم على « رحيم » لأجل الفواصل ، واللّه أعلم . فصل فيمن استدل بالآية على أن اللّه تعالى لا يخلق الكفر استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا : لأنه - تعالى - بين أنه بالنّاس لرءوف رحيم ، فوجب أن يكون رؤوفا رحيما بهم ، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرّهم إلى العقاب الدائم ، والعذاب السّرمدي ، ولو لم يكلّفهم ما لا يطيقون ، فإنه - تعالى - لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤوفا رحيما ، فعلى أيّ طريق يتصور ألّا يكون رؤوفا رحيما . واعلم أنّ الكلام عليه قد تقدّم مرارا ، واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 144 ] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) قال العلماء : هذه الآية متقدّمة في النزول على قوله تعالى : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ » . ومعنى « تقلّب وجهك » : تحرّك وجهك إلى السّماء . اعلم أنّ « قد » هذه قال فيها بعضهم : إنها تصرف المضارع إلى معنى المضيّ ، وجعل من ذلك هذه الآية وأمثالها ، وقول الشاعر : [ الطويل ] 829 - لقوم لعمري قد نرى أمس فيهم * مرابط للأمهار والعكر الدّثر « 2 » وقال الزّمخشريّ : « قد نرى » : ربّما نرى ، ومعناه كثرة الرؤية ؛ كقوله : [ البسيط ] 830 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله * كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد « 3 »
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) البيت لامرىء القيس ينظر ديوانه : ص 112 ، جمهرة اللغة : ص 770 ، ورصف المباني : ص 111 ، لسان العرب ( دثر ) ، والدر المصون : 1 / 397 . ( 3 ) البيت لعبيد بن الأبرص . ينظر ديوانه : ص 64 ، خزانة الأدب : 11 / 253 ، 257 ، 260 ، شرح أبيات سيبويه : 2 / 368 ، الدرر : 5 / 128 ، شرح شواهد المغني : ص 494 ، الأزهية : ص 212 ، الجنى -